محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

390

الإنجاد في أبواب الجهاد

وضروراته أعمالٌ يتقسمها ( 1 ) الجيش ، كلها ترجع إلى إنجادهم ، وإعانتهم ، وتدبير أحوالهم ، وتفرغهم للإقبال على القتال ؛ فمن ذلك الوقوف في الساقة ( 2 ) رِدءاً لهم ، ومن ذلك الخروج في الكمين ؛ لانتهاز الفرصة ، والدفع في موضع الحاجة ، ومن ذلك التقدم في السرايا والمسالح ( 3 ) أمامهم وخلفهم ، ومن ذلك حراستهم في رحالهم وأحوالهم ، والنظر فيما يصلحهم من العَلُوفة وغيرها ، مما فيه معونتهم على ما هم بصدده ، فكان جميع هؤلاء شركاء في المغنم ؛ لأنه بذلك تمَّ أمرهم . قال القاضي عبد الوهاب ( 4 ) : « من شهد القتال فله سهمه ، قاتل أو لم يقاتل ؛ لأنه قد حضر سبب الغنمية وهو القتال ؛ ولأنه ليس كل الجيش يقاتل ؛ لأن ذلك خلاف مصلحة الحرب ؛ لأنه يحتاج إلى أن يكون بعضهم في الرِّدء ، وبعضهم يحفظون السواد ، وبعضهم في العَلُوفة ، على حسب ما يحتاج إليه في الحرب . فلو قلنا : إنهم يقاتلون كلهم لم يستمر ؛ لما بينَّاه ، ولو قلنا : إنه لا يستحق إلا من قاتل ، لكان كل الجيش يقاتل ، فيبطل التدبير . قال : وقيل في قوله - تعالى - : { وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا } [ آل عمران : 167 ] ، أي : كَثِّروا » . قلت : فإذا تقرَّر ذلك ، فمن خرج في الجيش برسم الجهاد ، فكان من فريق من ذكرنا للتعاون على الحرب ، فلا خلاف أعلمه في أنه يسهم له ، إذا كان في نفسه على الصفات التي قدَّمنا ، حسبما مضى في بعضها من الخلاف ، فإن صدّه عن

--> ( 1 ) كذا في الأصل والمنسوخ ، ولعلَّ صوابها : « يقتسمها » . ( 2 ) الساقة ، ساقة الجيش : مُؤَخَّرُهُ . وفي الحديث : « . . . إن كان في الساقة كان فيها . . . » . وهي جمع سائق ، وهم الذين يسوقون جيش الغزاة ، ويكونون من ورائه يحفظونه ، ومنه : ساقة الحاجّ . انظر : « لسان العرب » ( 10 / 151 - ط . دار الفكر ) . ( 3 ) المسالح : مواضع المخافة . والمَسْلحة : قوم ذو سلاح ، أو : قوم في عُدَّةٍ بموضع رصدٍ قد وُكِّلوا به بإزاء ثَغْر ، واحدهم : مَسْلحيٌّ ، والجمع : المسالح . انظر : « لسان العرب » ( 2 / 487 ) . ( 4 ) في « المعونة » ( 1 / 612 ) . وانظر : « التلقين » ( 1 / 242 ) ، « الكافي » ( 1 / 475 ) . وانظر في تفسير الآية : « تفسير الطبري » ( 7 / 380 ) .